منصة عربية إلكترونية مستقلة

فرق الإنقاذ تخرج الطفل المغربي ريان من البئر

القضية فجرت حالة إنسانية غير مسبوقة والسبب مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التي وضعت القضية في مركز الاهتمام

0 71

بعد جهود مضنية استمرت خمسة أيام، نجحت فرق الإغاثة مساء السبت بإخراج الطفل ريان من البئر الذي علق فيه بشمال المغرب.

وواجهت فرق الإغاثة صعوبة في عملية حفر الأمتار الأخيرة للوصول إلى الطفل، ولجأ المنقذون إلى الحفر اليدوي بسبب مخاوف من انهيار تربة.

وأثار مصير ريان حالة ترقب قصوى في البلاد وخارجها، ولو أن الآمال بخروجه حيا تتضاءل مع مرور الوقت. وتحاول فرق الإنقاذ تأمين فتحة أفقية تمتد على ثلاثة أمتار تقريبا أملا بالنفاذ منها لاخراج الطفل، بحسب السلطات المحلية، بعد دراسة تقنية لمهندسين طوبوغرافيين وأخصائيي الوقاية المدنية لطبيعة التربة المحيطة بالبئر، بهدف تأمين جنبات الفتحة.

وعملت الفرق من دون توقف خلال الساعات الأخيرة تحت أضواء كاشفة قوية زادت من كآبة مسرح الحادث، بحسب صحافيي وكالة فرانس برس. ولم يمنع البرد الكثير من الأشخاص من مواصلة تجمعهم في محيط الموقع طيلة الليل، بينما حاولت القوى الأمنية التي عززت انتشارها في المكان إبعادهم، ما أربك أحيانا عمل المنقذين والصحافيين.

وتوافد الآلاف على المنطقة الجبلية التي تغطيها أشجار الزيتون واللوز، تضامنا مع ريان أو رغبة في التطوع لمد يد المساعدة للمنقذين، منذ تداول أنباء الحادث الذي خلف موجة تأثر وآمالا بنهاية سعيدة في المغرب وخارجه. وقال أحد المشاركين في العملية الشاقة عبد السلام مكودي لوكالة فرانس برس “نعمل على قدم وساق منذ ثلاثة أيام ونحن الآن نوشك الانتهاء، نشعر بالعياء لكن كل فرق الإنقاذ تقاوم على الرغم من الطوارئ غير المتوقعة”.

حفر أفقي

الطفل البالغ من العمر خمسة أعوام والذي تشير إليه وسائل الإعلام باسم ريان قد سقط في بئر في مدينة شفشاون بشمال المغرب يوم الثلاثاء، ولاقت محنته اهتماماً واسعاً. وعمل رجال الإنقاذ طوال الليل باستخدام الجرافات لحفر بئر موازية في التل المجاور للبئر. وبحلول صباح اليوم كانوا يحفرون أفقياً باتجاه البئر ويقومون بتركيب أنابيب من البلاستيك للحماية من الانهيارات الأرضية وانتشال الطفل.

وقال عبد الهادي التمراني المشرف على عملية الإنقاذ للقناة الثانية المغربية في ساعة مبكرة من صباح اليوم إن خطوة الإنقاذ الثانية على وشك الانتهاء وإن فريق الإنقاذ يسابق الزمن للوصول إلى ريان وإن عمليات الحفر تسير كما هو مخطط لها.

ونقلت الشركة الوطنية للإذاعة والتفلزة الحكومية عن أحد عمال الإنقاذ قوله أمس الجمعة إن الصبي لا يزال على قيد الحياة. يبلغ عمق البئر 32 مترا وقطرها 45 سنتيمترا وتضيق فتحتها مع النزول إلى القاع مما يحول دون نزول المنقذين لانتشاله.

ومنطقة التلال المحيطة بشفشاون شديدة البرودة في الشتاء وعلى الرغم من إنزال الطعام إلى ريان، لم يتضح ما إذا كان قد أكل شيئا. كما تم تزويده بالماء والأكسجين عبر أنبوب. وقال شاهد لرويترز إن الحفر الأفقي تأخر بسبب الصخور.

وتوجد في الموقع طائرة هليكوبتر على أهبة الاستعداد لنقل ريان إلى المستشفى فور إنقاذه. ويسود التوتر المنطقة بعد أكثر من 72 ساعة على سقوطه في بئر جافة بعمق 32 متراً.

وكان الطفل ريان ذو الخمسة أعوام قد سقط، الثلاثاء الأول من فبراير (شباط)، في بئر (حفرت قبل 20 عاماً بطريقة بدائية) محاذية لمنزل أسرته في إحدى قرى مدينة شفشاون في الشمال المغربي. وعملت قوات الوقاية المدنية على ضمان إمداد الطفل بالأوكسجين باستمرار، عبر أنابيب، نظراً لضيق فتحة البئر وعمق قعرها الذي يبلغ 32 متراً. ما يعطل وجود كمية كافية من الأوكسجين هناك. وتشير بعد المعطيات غير الرسمية إلى أن الطفل لا يزال يتنفس، ولا يُعلم مدى خطورة وضعه الصحي. فيما تتداول بعض المواقع صوراً للطفل وكأنه يمد يده نحو فمه، وقد اعتبر كثيرون أنه يأكل.

وتعمل عناصر متخصصة في عمليات الحفر، يقودها عمي علي (تقني متخصص في حفر الآبار قدم من الجنوب المغربي، وكسب شهرة واسعة إثر تعهده ببذل أقصى جهده لإخراج ريان حياً) على إحداث ثقب أفقي تحت مستوى قعر البئر، تمهيداً لوضع أنبوب يضمن الوصول إلى الطفل ريان،  بالتالي ضمان إخراجه من البئر بطريقة سلسة ومضمونة.

تفاصيل الإنقاذ

بعد أن أخفقت محاولات فردية بذلها متطوعون هواة لرياضة التسلق واكتشاف المغارات لإخراج ريان من قعر البئر، نظراً لضيق فتحتها التي تبلغ 40 سنتيمتراً في أوسع ممراتها، وحوالى 21 سنتيمتراً في أضيقها، اعتمدت خلية الإنقاذ منذ الأربعاء تقنية حفر أفقي مواز للبئر.

ويشدد عبد الهادي التمراني، عضو لجنة تتبع عملية الإنقاذ، على وجود أمل كبير في إخراج الطفل حياً من قعر البئر، مشيراً إلى أن طبيعة تضاريس المنطقة وتربتها الهشة عرقلت عملية الإنقاذ مرات عدة. وهو ما يفسر توقف آلات الحفر عن العمل لمرات، وذلك لتفادي حدوث انجرافات للتربة في الموقع. وأضاف التمراني أنه في كل مرة كان يلاحظ فيها المهندسون والتقنيون احتمال وجود انجرافات في بعض المناطق، كان يتم في الحال إيقاف عمليات الحفر والقيام بتجريف تلك الأماكن في احترام لتدابير الأمان.

وأشار التمراني إلى أنه بعد القيام بأعمال الحفر بشكل أفقي، الأمر الذي تطلب مجهوداً كبيراً لإزاحة أطنان هائلة من التراب، شرعت قوات الإنقاذ الميداني في أهم وأعقد مرحلة، هي المتعلقة بالقيام بحفر أفقي للوصول إلى مستوى قعر البئر، تمهيداً لإخراج الطفل العالق.

من جانبه، أكد الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، الخميس، أن بلاده تمتلك الوسائل اللازمة للإنقاذ، مشيراً إلى أنه تم تسخير الإمكانات الطبية المتاحة في حال إنقاذ الطفل من أجل مواكبته حتى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية. وأوضح أن طبيعة التربة في منطقة الحادث لم تسمح بتشغيل بعض الآليات والمركبات، وأن وجود المواطنين بكثافة في المحيط صعّب مهمة الإنقاذ.

تقنية دقيقة

ويشيد متخصصون باعتماد خلية الإنقاذ تقنية القياس الطوبوغرافي، معتبرين أنها مكّنت من تحديد مكان الطفل، بالتالي حمايته من الخطر خلال عملية الحفر. ويوضح رئيس “النقابة الوطنية للمهندسين المساحين الطبوغرافيين” هشام مليح، أن تقنية القياس الطبوغرافي التي اعتمدها التقنيون أسهمت في توجيه أعمال الحفر بالقرب من قعر البئر، وضمنت عدم ابتعاد تلك الأعمال عن مكان الطفل.

وأشار مليح إلى أن تلك الآلية ضمنت توجه آليات الحفر بشكل عمودي وبدقة، مضيفاً أنه لضمان دقة المسار يتم قياس المسافة بين البئر والنقطة التي وصلت إليها أعمال الحفر بشكل مستمر.

تضامن محلي وعالمي

شهد حادث سقوط الطفل ريان في البئر متابعة عالمية وتضامناً عربياً واسعاً، إذ عبر عديد من المواطنين والدبلوماسيين والكتاب والأكاديميين وعلماء الدين العرب والأجانب عن دعمهم الشعب المغربي في محنته. واعتبر بعضهم أن الحادث مكّن الشعبين المغربي والجزائري من تجاوز خلافاتهما، وذلك بعد نشر عديد من الجزائريين رسائل التضامن مع الطفل المغربي على مواقع التواصل.

وفي خصوص مستوى التضامن الداخلي الذي وصل مداه خلال حادثة الطفل العالق في البئر، يقول الكاتب المغربي إدريس الكنبوري، إن “قضية الطفل ريان فجرت حالة إنسانية غير مسبوقة، والسبب مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التي وضعت القضية في مركز الاهتمام، وخلقت حالة رائعة من سيكولوجية الجماهير”، مشيراً إلى أن ذلك وقع بفضل التواصل الذي يؤدي إلى إيقاظ شعور جماعي بالتضامن بين المواطنين، ويجعل التواصل قادراً على الضغط على المسؤولين. واعتبر أن الطفل ريان كان يمكن أن يلفظ أنفاسه لولا هذه الحالة الجماهيرية الواسعة التي جعلت القضية ذات بعد وطني شعبي، مضيفاً أن مواقع التواصل الاجتماعي صارت سلطة حقيقية، ويمكنها تحقيق الكثير وتطوير فلسفة التدبير للشأن العام عبر ممارسة الضغط الناعم على مواقع صنع القرار”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.